محمد هادي معرفة
186
شبهات وردود حول القرآن الكريم
مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِداءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزارَها ، « 1 » لم تذكر الاسترقاق للأسرى ، حتّى لا يكون هذا تشريعا دائما للبشريّة ، وإنّما ذكرت الفداء أو إطلاق السراح بلا مقابل ، لأنّ هذا وذاك هما القانونان الدائمان ، اللّذان يريد القرآن للبشريّة أن تقصر عليها معاملتها للأسرى في المستقبل القريب أو البعيد . وإنّما أخذ المسلمون بمبدإ الاسترقاق ، خضوعا لضرورة قاهرة لا فكاك منها ، وليس خضوعا لنصّ في التشريع الإسلامي . إذن فلم يلجأ الإسلام إلى هذا الطريق ، ولم يسترقّ الأسرى لمجرّد اعتباره أنّهم ناقصون في آدميّتهم . وإنّما لجأ إلى المعاملة بالمثل فحسب ، فعلّق استرقاقه للأسرى على اتّفاق الدول المتحاربة على مبدأ آخر غير الاسترقاق ، ليضمن فقط ألّا يقع الأسرى المسلمون في ذلّ الرّقّ بغير مقابل . ومع هذا فلم يكن تقليد الإسلام الدائم هو استرقاق الأسرى ، فحيثما أمن لم يسترقّهم . وقد أطلق الرسول بعض الأسرى بلا فداء ، كما وأخذ من نصارى نجران جزية وردّ إليهم أسراهم ولم يعهد أنّه صلّى اللّه عليه وآله استرقّ الأسرى - كما كان عليه عرف ذلك اليوم - وليضرب بذلك المثل لما يريد أن تهتدى إليه البشريّة في مستقبلها ، حين تتخلّص من وراثاتها الكريهة ، وتستطيع أن تستعيد إلى حظيرتها أصالتها الكريمة . خرافات جاهليّة بائدة قالوا : هناك خرافات جاهليّة بائدة جاءت في القرآن جريا مع ثقافة العصر الذي عاشه ، ومتأثّرا بها ممّا يتنافى وكونه كلام عليم خبير . من ذلك الكلام عن الجنّ والسحر وإصابة العين ومسّ الجنّ ! غير أنّ هذه النسبة الظالمة نشأت عن مزايغ الفهم لمعاني القرآن ومزالق الوهم عند مواجهة تعابيره القويمة . أمّا الجنّ فحقيقة ثابتة لا تنكر ، وقد بدت طلائعها منذ عهد غير بعيد . وليس كلّ ما
--> ( 1 ) محمّد 47 : 4 .